يوسف المرعشلي

419

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

منصور وأخرى في جامع رجال الزوايا . قصده طلاب كثيرون من سورية والأردن وفلسطين ولبنان وتركيا والهند والسعودية . اشتهر بعضهم ، وتولى بعضهم المناصب ، وكان منهم مفتون وقضاة ، ومن ثمّ عم نفعه وانتشر . وقصده كذلك طلاب من مختلف المستويات الثقافية ، فقرأ عليه في العلوم الشرعية والعربية جماعات من المهندسين والأطباء والصيادلة والمحامين والمدرسين وسواهم ، فلم يكن يرد أحدا من الراغبين في العلم ، حتى لقد كانت له حلقة خاصة مع شاب مسيحي قرأ عليه النحو والصرف . تصدر لإقراء مختلف الفنون ، من فقه وتفسير ونحو وصرف وفرائض وتوحيد ومنطق وسواها ، يقرر دروسه متمكنا راسخ القدم ، إلا أنه اشتهر بتدريس القرآن الكريم والفقه والنحو بشكل خاص ، وتملك ناصية الفقه الشافعي إلى جانب تضلعه في بقية المذاهب ، يتعرض لها خلال الدرس ، ويورد مع آراء كل مذهب دليل أصحابه ، ويقارن بين بعضها بعضا . وكان أكثر الطلاب يقصدونه للنحو والفقه ، فيختار لهم من كتب النحو : « قطرالندى وشرحه » ، و « شرح شذور الذهب » ، و « شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك » وسواها ، ويقرر لهم في الفقه الشافعي : « شرح التحرير » ، و « شرح المقدمة الحضرمية » ، و « تنوير القلوب » ، و « الكفاية » ، و « عمدة السالك » ، و « الإقناع » ، و « مغني المحتاج » ، و « المنهاج » وغيرها . شعل وقته كله في حلقات العلم التي لم يكن يفضل عليها شيئا البتة ، يبدأ فيها منذ الفجر حتى ما بعد العشاء ، وبقي على تلك الطريقة ما يزيد على ثلاثين سنة ، لم يثنه عنها عمل ، ولم يمنعه منها مرض . واستمر في دروسه حتى اليوم الأخير من حياته ، إذ أقرأ طالبا وهو على فراش الموت . رغّب طلابه في الخطابة ، وكان يشجعهم عليها ويدفعهم إليها ، ويقدمهم إلى المنبر وهو حاضر موجود ، فتخرّج به خطباء متقنون . وكان يقدّم العلم إلى الطلاب مبسطا سهلا ، ابتعد به عن التعقيدات النظرية والجزئيات المتكلفة ، والقضايا الخلافية والجدلية التي لا تثمر ولا تفيد ، خصوصا في هذا العصر . وتجنّب التعصب للرأي والمذهب عند ظهور الدليل الشرعي بخلافه ، ويبدو هذا واضحا في مناسك الحج ، يأخذ بالأيسر ما دام صحيحا لا غبار عليه ولا اعتراض . ومثلما قدّم العلم للطلاب مبسطا ، قدّمه لهم بشكل عملي ؛ فكانت حياته علما عمليّا إلى جانب العلم النظري ، وتجلّى ذلك خلال النزهات التي شغف بها ؛ إذ لا بد في كل يوم من نزهة قصيرة قد تمتد أحيانا حتى المغرب . وفي النزهة يكون الغداء والعمل الجماعي وحلقة الشاي إلى جانب الصلاة والدرس والقرآن والتوجيه والنصائح ، حياة إسلامية حافلة بسيطة لم يكن المترجم ليتميز فيها عن طلابه ، بل ويشتغل ويعمل أكثر من أي فرد منهم ؛ فيزداد في قلوبهم محبة ورفعة ومكانة . جمع المترجم ميزات العالم العامل ، فاتصف بأخلاق نادرة ، أفاض طلابه ومن يعرفه بالحديث عنها . دارت حياته حول التواضع والصمت في العمل . لا يرى لنفسه قدرا فوق الآخرين ، ولا يعتقد لها قيمة متميزة عنهم ، يخدم طلابه بنفسه ، يطبخ لهم الطعام ، ويعمل على راحتهم ، ويخدم نفسه بنفسه ، ولا يرضى أن يخدمه أحد . ينفر من ذكر صفاته ، ويفر من الشهرة وينزعج من المدح ، فإذا ما مدحه أحد ظهر أثر ذلك على وجهه . لم يكن يحب حضور الحفلات والمهرجانات إلا مضطرا . أوتي مع التواضع بساطة محببة يصدر بها عن طبع أصيل في نفسه ، يجلس بين طلابه كواحد منهم . ومن بساطته أنه ربما قعد على الرصيف كأي شخص عامّي بانتظار سيارة . ومن تواضعه أنه كان يقول لطلابه الخاصين : « إذا سئلتم طلاب من أنتم ؟ فقولوا : طلاب الشيخ حسن حبنكة ولا تقولوا طلاب الشيخ خيرو ياسين ، فأنا من طلاب الشيخ حسن ، وطلاب الطالب طلاب الشيخ » . يحب الفقراء ومجالستهم ، يقطع أحيانا مسافات طويلة ليجتمع معهم في حديقة أو بستان ، يلاطفهم ويحمل إليهم الطعام ، وكان يردد قول بعض الصوفية : ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا * هم السلاطين والسادات والأمرا